اتهام رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بـ «الدكتاتورية» أسلوب جديد لتشويه سمعة الرجل أمام الرأي العام المحلي والدولي، بعد أن فشل رهان بعض القوى المعادية على الانقلاب العسكري لاسقاط الحكومة وحظر حزب العدالة والتنمية من قبل المحكمة الدستورية.
ومن المفارقة أننا لم نسمع هؤلاء الذين يدعون الغيرة على الديموقراطية يتحدثون يوما عن دكتاتورية العسكر وتدخل الجيش في الشؤون السياسية، أو يشرحون لنا مثلاً كيف يمكن وجود الدكتاتورية في ظل الانتخابات الحرة النزيهة التي يختار من خلالها الشعب رئيسه بمحض ارادته، وفي ظل وجود القضاء المستقل والاعلام الحر.
يأتي اتهام أردوغان بالدكتاتورية متزامنا مع النقاش الدائر حول فكرة الانتقال من النظام البرلماني الى النظام الرئاسي على غرار النظام الفرنسي أو النظام الأميركي. في الحقيقة، أردوغان يريد أن تتم مناقشة هذه الفكرة بكل حرية في أوسع نطاق، من قبل السياسيين والخبراء والأكاديميين والكتاب والمثقفين، لتظهر سلبياته وايجابياته، وهل هو يصلح لتركيا أو لا.
تركيا عانت كثيرا من غياب الاستقرار السياسي في عهد الحكومات الائتلافية الهشة وتدخل القوى الأخرى من خارج البرلمان لتنظيم الساحة السياسية، مستغلة التوازنات الحساسة بين الأحزاب التي تشكل الحكومة، مما يؤدي الى ضياع ارادة الشعب في متاهات المناورات السياسية، بالاضافة الى أزمات اقتصادية لعدم وجود الاستقرار السياسي في البلد.
لا شك أن طرح فكرة الانتقال الى النظام الرئاسي للنقاش بهذا الشكل ظاهرة سليمة في الأنظمة الديموقراطية، ومن حق رئيس الوزراء التركي أن يبدي رأيه كأي مواطن تركي، والموضوع لم يحسم بعد، بل هناك من يعارض الانتقال الى النظام الرئاسي من أعضاء حزب العدالة والتنمية ومؤيديه، بحجة أنه لا يصلح لتركيا، كما أن رئيس الجمهورية عبدالله جول أبدى تحفظه على الانتقال الى النظام الرئاسي، ولكنه قال في الوقت نفسه إن مناقشة الموضوع مفيدة لمعرفة الآراء المختلفة.
ومن المعروف أن أردوغان ليس من عشاق الكراسي، وتنازله عن حقه في الترشح لرئاسة الجمهورية لمصلحة عبدالله جول خير دليل على ذلك، كما أنه يحب جس نبض الشارع قبل أن يقدم على أي خطوة من هذا القبيل، واذا رأى الشارع التركي يعترض عليها فلا يسير فيها، ولا يحاول أن يفرض على الشعب ما يرفضه، وهذا من أسرار نجاح حزبه، الذي أسسه على مبدأ التواصل والتشاور مع قادة المجتمع.
أردوغان أعلن أنه لن يترشح للانتخابات القادمة، لأن النظام الداخلي لحزب العدالة والتنمية لا يسمح لأعضائه بالدخول الى البرلمان لأكثر من ثلاث دورات نيابية متتالية، وذلك لمنع احتكار كبار السن للمناصب وفتح الطريق أمام الشباب. وتغيير النظام الداخلي للحزب سهل جدا، ولكن أردوغان رد على من سأله هل سيغير النظام الداخلي ليتسنى له الترشح مرة أخرى فقال: «ان هذا ليس من أخلاقنا».
أردوغان والدكتاتورية لا يلتقيان بأي حال، واتهامه بها ظلم واجحاف. ولو كان لدى أردوغان أدنى نية للوصول الى الدكتاتورية فهل كان يعلن تشكيل وزارة خاصة لمتابعة سير الانضمام الى الاتحاد الأوربي وتسريعه؟!
نشر في صحيفة القبس الكويتية
بتاريخ 20-06-2011
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق