الثلاثاء، 21 يونيو 2011

أردوغان والدكتاتورية؟!



اتهام رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بـ «الدكتاتورية» أسلوب جديد لتشويه سمعة الرجل أمام الرأي العام المحلي والدولي، بعد أن فشل رهان بعض القوى المعادية على الانقلاب العسكري لاسقاط الحكومة وحظر حزب العدالة والتنمية من قبل المحكمة الدستورية.

ومن المفارقة أننا لم نسمع هؤلاء الذين يدعون الغيرة على الديموقراطية يتحدثون يوما عن دكتاتورية العسكر وتدخل الجيش في الشؤون السياسية، أو يشرحون لنا مثلاً كيف يمكن وجود الدكتاتورية في ظل الانتخابات الحرة النزيهة التي يختار من خلالها الشعب رئيسه بمحض ارادته، وفي ظل وجود القضاء المستقل والاعلام الحر.

يأتي اتهام أردوغان بالدكتاتورية متزامنا مع النقاش الدائر حول فكرة الانتقال من النظام البرلماني الى النظام الرئاسي على غرار النظام الفرنسي أو النظام الأميركي. في الحقيقة، أردوغان يريد أن تتم مناقشة هذه الفكرة بكل حرية في أوسع نطاق، من قبل السياسيين والخبراء والأكاديميين والكتاب والمثقفين، لتظهر سلبياته وايجابياته، وهل هو يصلح لتركيا أو لا.

تركيا عانت كثيرا من غياب الاستقرار السياسي في عهد الحكومات الائتلافية الهشة وتدخل القوى الأخرى من خارج البرلمان لتنظيم الساحة السياسية، مستغلة التوازنات الحساسة بين الأحزاب التي تشكل الحكومة، مما يؤدي الى ضياع ارادة الشعب في متاهات المناورات السياسية، بالاضافة الى أزمات اقتصادية لعدم وجود الاستقرار السياسي في البلد.

لا شك أن طرح فكرة الانتقال الى النظام الرئاسي للنقاش بهذا الشكل ظاهرة سليمة في الأنظمة الديموقراطية، ومن حق رئيس الوزراء التركي أن يبدي رأيه كأي مواطن تركي، والموضوع لم يحسم بعد، بل هناك من يعارض الانتقال الى النظام الرئاسي من أعضاء حزب العدالة والتنمية ومؤيديه، بحجة أنه لا يصلح لتركيا، كما أن رئيس الجمهورية عبدالله جول أبدى تحفظه على الانتقال الى النظام الرئاسي، ولكنه قال في الوقت نفسه إن مناقشة الموضوع مفيدة لمعرفة الآراء المختلفة.

ومن المعروف أن أردوغان ليس من عشاق الكراسي، وتنازله عن حقه في الترشح لرئاسة الجمهورية لمصلحة عبدالله جول خير دليل على ذلك، كما أنه يحب جس نبض الشارع قبل أن يقدم على أي خطوة من هذا القبيل، واذا رأى الشارع التركي يعترض عليها فلا يسير فيها، ولا يحاول أن يفرض على الشعب ما يرفضه، وهذا من أسرار نجاح حزبه، الذي أسسه على مبدأ التواصل والتشاور مع قادة المجتمع.

أردوغان أعلن أنه لن يترشح للانتخابات القادمة، لأن النظام الداخلي لحزب العدالة والتنمية لا يسمح لأعضائه بالدخول الى البرلمان لأكثر من ثلاث دورات نيابية متتالية، وذلك لمنع احتكار كبار السن للمناصب وفتح الطريق أمام الشباب. وتغيير النظام الداخلي للحزب سهل جدا، ولكن أردوغان رد على من سأله هل سيغير النظام الداخلي ليتسنى له الترشح مرة أخرى فقال: «ان هذا ليس من أخلاقنا».

أردوغان والدكتاتورية لا يلتقيان بأي حال، واتهامه بها ظلم واجحاف. ولو كان لدى أردوغان أدنى نية للوصول الى الدكتاتورية فهل كان يعلن تشكيل وزارة خاصة لمتابعة سير الانضمام الى الاتحاد الأوربي وتسريعه؟!
 


نشر في صحيفة القبس الكويتية
بتاريخ 20-06-2011 

الأحد، 19 يونيو 2011

ثورة الأناضول تستمر..

 

نتائج الانتخابات والتوافق على صياغة دستور جديد
ثورة الأناضول تستمر.. هكذا سيغير أردوغان الدستور
إسماعيل ياشا*

«ثورة الأناضول تستمر».. بهذه الكلمات عنون الكاتب التركي الشهير محمد ألطان مقاله الذي تحدث فيه عن الانتخابات النيابية التركية التي أجريت في 12 ينيو الماضي وفاز فيها حزب العدالة والتنمية بأغلبية ساحقة، حيث حصل على %49.9 من أصوات الناخبين.
ورغم كل الحملات الدعائية التي شاركت فيها كبرى وسائل الإعلام التركية لتلميع حزب الشعب الجمهوري وزعيمه كمال كليتشدار أوغلو، ورغم تحالف القوى المعادية لمسيرة تعزيز الديموقراطية وحقوق الإنسان في تركيا، في مواجهة حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب أردوغان، أعلن الشعب التركي دعمه القوي لأردوغان ليواصل سيره نحو تركيا أكثر ديموقراطية، ووضع خياره لمصلحة الاستقرار السياسي في البلد.
وكان حزب العدالة والتنمية قد فاز في أول انتخابات خاضها في 3 نوفمبر 2002 بالحصول على %34.2 من أصوات الناخبين و363 مقعدا في البرلمان، وزادت نسبة التأييد له في الانتخابات التالية في 22 يوليو 2007، فحصل على %46.5 من مجمل الأصوات و341 مقعدا. وها هو اليوم حقق فوزا كاسحا للمرة الثالثة على التوالي وحصل على %49.9 من الأصوات و326 مقعدا في البرلمان.

ارتفاع النسبة وتراجع عدد المقاعد
واللافت في هذه الأرقام، أن نسبة التأييد ارتفعت بشكل ملحوظ ولكن عدد المقاعد الذي حصل عليه حزب العدالة والتنمية تراجع، ويعود ذلك إلى سببين رئيسين:
الأول: نجاح ثلاثة أحزاب هي: «العدالة والتنمية» و«الشعب الجمهوري» و«الحركة القومية» في تجاوز نسبة %10 لدخول البرلمان، بالإضافة إلى فوز 36 مرشحا مستقلا من الأكراد. ومن المتوقع أن ينضم هؤلاء المستقلين إلى حزب السلام والديموقراطية ليكون حزبا رابعا يتقاسم مقاعد البرلمان، بعد حصول حزب العدالة والتنمية على 326 مقعدا وحزب الشعب الجمهوري على 135 مقعدا وحزب الحركة القومية على 53 مقعدا.
أما السبب الثاني فهو قرار اتخذته اللجنة العليا للانتخابات عدلت فيه حصص الدوائر الانتخابية من المقاعد البرلمانية بحجة التغير في الكثافة السكانية بالمحافظات.

توافق من أجل دستور جديد
وفي ما يخص مشروع دستور جديد أكثر ديموقراطية، فان النتائج لا تمكن «العدالة والتنمية» من صياغة دستور جديد وحده. وكان أردوغان بحاجة إلى 330 مقعدا لتمرير دستور جديد ومن ثم يتم عرضه على الشعب التركي ليقول كلمته في الاستفتاء الشعبي.
وفي خطابه، الذي ألقاه أردوغان من شرفة مقر حزب العدالة والتنمية بأنقرة بعد ظهور النتائج، أكد أنه سيطرق أبواب الأحزاب المعارضة للبحث عن سبل صياغة دستور جديد معاً. وهنا يطرح هذا السؤال نفسه: مع من يمكن أن يتحالف أردوغان لتمرير الدستور في البرلمان؟

من سيسد الباب ومن سيفتحه؟
ويبدو أن حزب الحركة القومية أقرب إلى سد الباب أمام أي محاولة لصياغة دستور جديد بحجة أنه قد يؤدي إلى تقسيم البلاد. وأما حزب الشعب الجمهوري فيترك الباب مفتوحا للمحادثات حول مشروع دستور جديد وقد يتعاون مع حزب العدالة والتنمية في ظل وجود من يدعو في صفوفه إلى التخلص من الدستور الذي تمت صياغته إثر انقلاب 1980 العسكري. ليس حزب العدالة والتنمية وأنصاره وحدهم يطالبون بصياغة دستور جديد، بل هناك مطالبة منذ سنين من قبل المجتمع المدني بمختلف ألوانه بصياغة دستور جديد، والأكراد المستقلون يمكن أن يدعموا جهود صياغة دستور جديد يعترف بوجودهم بدلا من بقاء الدستور الحالي الذي يقف عائقا أمام حل المشكلة الكردية.
* كاتب ومحلل سياسي تركي
نشر في صحيفة القبس الكويتية
بتاريخ 16-06-2011 

السبت، 21 مايو 2011

حزب الحركة القومية وأشرطة الفضائح الجنسية



1- الساحة السياسية في تركيا ملتهبة والحملات الانتخابية تشهد التراشق بين الزعماء بالإضافة إلى أشرطة الفضائح الجنسية لبعض السياسيين

2- يواجه حزب الحركة القومية أكبر فضيحة في تاريخ السياسة التركية بعد ظهور أشرطة تظهر 4 من كبار قادته ومساعدي زعيم الحزب مع فتيات صغار

3- نائب رئيس الحزب المسؤول عن شؤون المرأة والأسرة مع روسيات ونساء متزوجات، فضيحة من العيار الثقيل ولكن السؤال لماذا قبيل الانتخابات؟

4- ومن يقف وراء ظهور هذه الأشرطة؟ ومن المستفيد؟ هل هو الحزب الحاكم؟ هذا ما سنحاول أن نسلط الضوء عليه اليوم إن شاء الله

5- وفقا لاستطلاعات الرأي، نسبة التأييد لحزب الحركة القومية تزيد قليلا عن 10% أو تنقص قليلا وهذه النسبة لابد من تجاوزها لدخول البرلمان

6- نجاح حزب الحركة القومية في الحصول على 10% من أصوات الناخبين أو فشله سيغير خارطة البرلمان التركي بشكل كبير

7- لا شك أن فضيحة الأشرطة الجنسية ضربة للمؤسسة السياسية وتعمق شكوك الناس في السياسيين كما أنها تشير إلى الانحطاط الأخلاقي لدى بعض الساسة

8- في الفضيحة التي ضربت حزب الشعب الجمهوري كان في الشريط رئيس الحزب دنيز بايكال وهو متزوج مع نائبة من حزبه وهي أيضا متزوجة

9- الفضيحة أدت إلى استقالة بايكال من رئاسة الحزب وليس من البرلمان ولكنه الآن مرشح من جديد من حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات

10- ومن المؤكد أن حزب العدالة والتنمية لا يقف وراء تسجيل هذا الشريط وظهوره

11- اُتهِم ذاك الوقت الحزب الحاكم وجماعة فتح الله كولن وأمريكا بالوقوف وراءه ولكن يرى غالبية المحللين أن صراعات داخلية وراء ظهور الفضيحة

12- وكان الهدف هو إسقاط بايكال الذي خسر المعركة أمام حزب أردوغان وتنظيم حزب الشعب الجمهوري من جديد وإبعاد "الديناسورات" من قيادة الحزب

13- يرى المحللون أن القوى المنزعجة من حزب العدالة والتنمية رأت أن بايكال حجر عثرة في طريق تطوير حزب الشعب الجمهوري وأبعدوه بهذه الطريقة

14- ولكن موضوعنا اليوم ليس الشريط الذي أدى إلى استقالة بايكال وإنما سلسلة الأشرطة التي تعسف بحزب الحركة القومية وتداعياتها

15- وكما قلت آنفا الاستطلاعات كانت تشير إلى أن حزب الحركة القومية يحصل بالكاد على 10 بالمائة وإذا نزلت النسبة تحتها سيظل خارج البرلمان

16- وفي تلك الحالة هكذا ستكون خارطة البرلمان: حزب العدالة والتنمية (360-390 نائبا)وحزب الشعب الجمهوري (150-170) نائبا والأكراد المستقلون

17- يتوقع أن يدخل البرلمان في هذه الانتخابات ما بين 20 و30 نائبا من الأكراد الذين يؤيدهم حزب العمال الكردستاني المحظور

18- كما يتوقع في حال فشل حزب الحركة القومية أن يحصل حزب العدالة والتنمية على أكثر من 367 مقعدا بالبرلمان ما يمكنه من تغيير الدستور وحده

19- وفي فشل حزب الحركة القومية سيشهد البرلمان حضورا قويا للقوميين الأكراد المدعومين من قبل الانفصاليين في غياب القوميين الأتراك

20- المرحلة المقبلة ستكون مرحلة إعادة صياغة الدستور التركي وهذا أكبر مشروع يعد به حزب العدالة والتنمية

21- وإذا نجح حزب الحركة القومية في تخطى نسبة 10% لن يتمكن حزب العدالة والتنمية من الحصول على 367 مقعد ولو حصل على 47 أو 50% من الأصوات

22- الانتخابات في 12 حزيران أي بعد شهر تقريبا وانفجار هذه الفضيحة قبيل الانتخابات تشير إلى أن الهدف أن لا يتجاوز الحزب

23- أن لا يتجاوز 10 بالمائة والاستطلاعات الأخيرة تشير إلى تراجع شعبية حزب الحركة القومية

24- الآن.. من الذي يقف وراء تفجير هذه الفضيحة التي هي فعلا مصيبة كبرى لقيادة حزب الحركة القومية؟ ويبدو أن هناك أشرطة أخرى في الطريق

25- كما في الأول هناك اتهامات موجهة لحزب أردوغان وجماعة فتح الله كولن وأمريكا وإلى المعارضين في داخل حزب الحركة القومية

26- حزب الشعب الجمهوري أسسه مصطفى كمال أتاتورك كما تعرفون وهو يعتبر قلعة العلمانيين الكماليين ويُصنف كحزب يساري ولكن اليسار منه بريء

27- كما أنه حزب مفضل لدى الجيش التركي وكبار القضاة ولكنه بسبب الصراعات والانقسامات الداخلية انهمك وظل بعيدا عن التطوير ودخل في طريق مسدود

28- والتركيز على العلمانية والمبادئ الكمالية دون أن يقدم للناخبين أي حلول اقتصادية لمشاكلهم المعيشية جعل الناخبين لا يلتفتون إليه

29- ولكن هناك نسبة معينة تقريبا 10-15 بالمائة لا يتخلى عنه مهما كان غاضبا على سياساته والآن مع رئيس جديد يسعى الحزب لتوسيع الدائرة

30- أيدلوجية حزب الشعب الجمهوري هو الإيمان بالعلمانية ومبادئ أتاتورك ويعادون المظاهر الدينية ويتبنون العلمانية المتشددة التي تحارب الدين

31- وأحب نظام إليهم في العالم العربي نظام زين العابدين بن علي ويحبون الأسد أيضا لأنه يطبق العلمانية ويحارب الإسلاميين وزوجته غير متحجبة

32- القوميون في تركيا ينقسمون إلى قسمين قسم يعادي الإسلام وهؤلاء لا يسمون أنفسهم قوميون بل يقولون "وطنيون" (ulusalcilar) (أولوسالجيلار)

33- هؤلاء الذين يقال لهم وطنيون (بالتركية أولوسالجيلار) هم أشد الناس عداوة للعرب لأنهم قوميون ولأنهم يربطون العرب بالإسلام والتخلف بزعمهم

34- أما حزب الحركة القومية فتأسس في 1969 على يد العقيد المتقاعد ألب أرسلان توركش وتبنى فكرة القومية التركية وهو يصنف كحزب يميني

35- ولعب شباب حزب الحركة القومية في فترة ما قبل الانقلاب العسكري بـ1980 دورا كبيرا في محاربة الشيوعية وكانت هناك صراع مسلح بين الطرفين

36- وفي تلك الفترة قتل عدد كبير من شباب حزب الحركة القومية كما قتل شباب من اليساريين ثم جاء الانقلاب العسكري وملأ السجون بشباب الطرفين

37- زج قادة الاحتلال بهم في السجون فاجأ شباب حزب الحركة القومية لأنهم كانوا يرون أنفسهم حراس البلد يحمونه من احتلال الشيوعيين

38- وفي المعتقلات والسجون اكتشف عدد منهم أن الذي كان يعطيه السلاح صباحا لقتل اليساريين يعطي السلاح نفسه مساء ليساري ليقتل اليمينيين

39- بينما كان هؤلاء في ريعان شبابهم يقتلون بعضهم البعض كان قادة الجيش يتفرجون وينتظرون أن تنضج الأوضاع لانقلاب عسكري

40- أيدلوجية حزب الحركة القومية كانت ممزوجة بالقومية والإسلامية وكان شبابهم يطلقون هتافات "يا الله باسم الله الله أكبر"

41- وهؤلاء يسمون قوميون (milliyetçiler) (ميلليياتجيلار)

42- الآن عندنا وطنيون (ulusalcilar) وقوميون (milliyetçiler) والفرق بينهما أن الأول يكره الدين والثاني في أيدلوجيته شيء من الإسلام

43- وبعد مراجعات السجون في الثمانينيات ظهر خلاف فكري في حزب الحركة القومية وانشق منه عدد مع زعيم شاب اسمه محسن يازيجي أوغلو

44- وكان الفرق الأبرز بنظري بين الطرفين أي الذين بقوا في حزب الحركة القومية والذين انشقوا منه وأسسوا حزب الاتحاد الكبير، في تقديم وتأخير القومية

45- الذين ظلوا مع ألب أرسلان توركش في حزب الحركة القومية كانوا يقدمون القومية على الإسلام وأما الآخرون يقدمون الإسلام على القومية

46- حدثت تحولات وانحرافات في سياسة وأيدلوجية حزب الحركة القومية خاصة بعد خروج محسن يازيجي أوغلو ورفاقه من الحزب ورحيل الزعيم المؤسس توركش

47- مات توركش في نيسان 1994 وتولى رئاسة الحزب بعده دولت باهجلي وهو رئيسه إلى اليوم وكان أبوه من مؤيدي حزب الشعب الجمهوري

48- وفي فترة رئاسته ابتعد كثير من قادة الحزب التقليديين عن الحزب وأُبعد عدد آخرون وتوسعت الفجوة بين القاعدة الشعبية للحزب والقيادة

49- في فترة ائتلافه مع بولنت أجاويد ومسعود يلماز ألغيت عقوبة الإعدام أي أنه أنقذ زعيم حزب العمال الكردستاني من الإعدام

50- اقترب الحزب من تيار "وطنيون" (ulusalcilar) أكثر وصار جزءا من مشروع إسقاط حكومة أردوغان

51- وكانت القوى الانقلابية المعادية لحكومة أردوغان تروج فكرة أن اليساريين يصوتون لحزب الشعب الجمهوري وأن اليمينيين يصوتون للحركة القومية



52- ورشح رئيس الحزب دولت باهجلي أحد المتهمين في قضية أرغينيكون في هذه الانتخابات

53- وأصبح الحزب الذي كان يعادي اليساريين والشيوعيين قبل انقلاب 1980 وضحى عددا من شبابه يصطف مع أعداء الأمس لإسقاط أردوغان

54- وكان أحد هؤلاء الأربعة الكبار الذين ظهروا في الأشرطة يتحدث عن اليمينيين بلهجة بذيئة ويصفهم بـالكرة أي أنهم يتقلبون إلى أي جهة

55- وكان يستهزئ بالناخبين اليمينيين مع أن القاعدة الشعبية لحزب الحركة القومية يمينية والحزب مصنف في الخارطة السياسية في اليمين

56- وهؤلاء الذين ظهروا في الأشرطة قادة كبار في الحزب محيطون برئيس الحزب وسقوطهم سيؤدي إلى سقوط باهجلي

57- وتقول مصادر مقربة من الحزب أن أنصار الحزب وشبابه والذين ضحوا بالأمس لأجل أيدلوجيتهم مستاءون من الزعيم الحالي دولت باهجلي

58- وبالتالي قد يكون انفجار هذه الفضيحة في هذا التوقيت وراءه معارضون يريدون تخليص الحزب من سيطرة باهجلي وإعادته إلى خطه القديم

59- وفي المحصلة سيكون فشل حزب الحركة القومية في تجاوز نسبة 10 بالمائة لصالح حزب العدالة والتنمية

60- وسيكون أيضا فشل مشروع تأسيس جبهة ائتلافية بين حزب الحركة القومية وحزب الشعب الجمهوري لمعارضة الحزب الحاكم


61- كما قلت قبل قليل الاستطلاعات تشير إلى تراجع حزب الحركة القومية وسط أنباء بأن مسلسل الأشرطة سيتواصل


62- كنا نتحدث عن فضائح الأشرطة التي تستهدف حزب الحركة القومية...


63- وقلنا إن ظهور هذه الأشرطة قبيل الانتخابات النيابية في ظاهره لصالح حزب أردوغان لأن حزب الحركة القومية قد يفشل في تجاوز 10 بالمائة

64- هناك من يرى من المحللين أن هذه الأشرطة تستهدف في الحقيقة حزب العدالة والتنمية وليس حزب الحركة القومية


65- أنا أيضا أرى أن تحليلهم وجيه لأنهم يقولون إن هناك مساعي لتنظيم المعارضة ضد أردوغان وهذه الفضيحة جزء من اللعبة


66- الذين أسقطوا دنيز بايكال من رئاسة حزب الشعب الجمهوري بشريط فيديو وأتوا بكمال كيليجدار أوغلو إلى رئاسة الحزب هم الذين يريدون الآن إسقاط.

67- هم الذين يريدون الآن إسقاط دولت باهجلي من رئاسة الحزب وتنظيم حزب الحركة القومية من جديد والسبب هو أن حزب الحركة القومية انحرف كما قلنا


68- حزب الحركة القومية انحرف عن خطه السياسي المعروف في السنوات الأخيرة وكانت شعبيته غالبا في وسط الأناضول وكان ينافس الأحزاب الإسلامية


69- وفي السنوات الأخيرة تحول إلى حزب ينافس حزب الشعب الجمهوري ولم يعد له حضور في وسط الأناضول ولم يعد منافسا لحزب أردوغان في المدن المحافظة


70- الآن وإن كانت الفضيحة هذه تبدو لصالح حزب أردوغان في المدى القريب ولكنها ستكون لغير صالحه في المدى البعيد


71- وسقوط باهجلي من الرئاسة وضخ دماء جديدة لقيادة الحزب وإعادته إلى وسط الأناضول لينافس حزب العدالة والتنمية


72- بدلا من أن ينافس حزب الشعب الجمهوري في المدن الساحلية، هذه هي اللعبة



الأربعاء، 18 مايو 2011

سلمان العودة ينفتح.. ولكن؟!




ذكر الكاتب تركي الدخيل في مقاله المنشور يوم الأربعاء الماضي بجريدة الوطن السعودية أن الشيخ سلمان العودة قضى الصيف الماضي في دبي ليتعلم اللغة الإنجليزية وعاد إلى صفوف التلاميذ ومسح السبورة بعد أن ينتهي الأستاذ من الشرح.
 
 الشيخ سلمان العودة يسير منذ مدة في الاتجاه الصحيح وسط انتقادات من رفقاء دربه وطلابه، تصل في بعض الأحيان إلى درجة السب والشتم والتخوين، ولكنه يواصل مسيرته بخطى ثابتة نحو الانفتاح دون أن يلتفت إلى منتقديه المنغلقين تجاه التجديد والتطور.
 
 ليس قصدي تقييم الشيخ "المتطور" –كما يصفه تركي الدخيل- بكل أفعاله وأرائه وكما أني لست أهلا لذلك، وكل ما أريد أن أقوله إنني أؤيد انفتاحه وتواضعه؛ لأنهما ما يحتاج إليه كثير من المشايخ الذين يرون أنهم أصحاب "العقيدة الصحيحة" و"العلم الشرعي" و"الدعوة" و"الرأي" و"المال"، وبالتالي ليسوا بحاجة إلى غيرهم.
 
 إن انفتاح الشيخ سلمان العودة تطور إيجابي ومفيد له ولمجتمعه، ولكنه –برأيي- يجب ان لا يقتصر فقط على تعلم اللغة الإنجليزية والظهور في بعض القنوات الفضائية والخوض في القضايا المعتادة. على الشيخ سلمان أن يخرج من الإطار الخليجي ويتعدى القشر إلى اللب، وذلك بتبني القيم العالمية كحقوق الإنسان والحريات التي هي في الحقيقة من مبادئ الإسلام.
 
 المأمول من الشيخ أن يرفع راية الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات؛ فيدافع مثلا عن حقوق العمال الأجانب في بلاده سواء كانوا من المسلمين أو غير المسلمين كما يدافع عن حقوق الأقليات الإسلامية في الدول الغربية.
 
 المأمول منه أن يناقش بجرأة النزعة التكبرية الاستعلائية المسيطرة على العقول، المانعة من التواصل مع الآخرين وقبول آرائهم والاستفادة من تجاربهم، ويتحدث عن سبل معالجتها، كما ناقش العنف وأسبابه وتحدث عن سبل معالجته.
 
 أنا هنا أقترح على الشيخ سلمان أن يقضي على الأقل شهرا في تركيا، كما قضي في دبي شهرين، فيطلع على التجربة التركية التي لا أدعي أنها مثالية ولكني أجزم بأن دراستها مفيدة، ويجلس مع الكتاب والمثقفين وممثلي مؤسسات المجتمع المدني، من الإسلاميين وغير الإسلاميين، فيستمع إليهم ليعرف كيف نجحوا في العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، كما يدرك أن تحالف عقلاء الإسلاميين مع عقلاء الليبراليين لمحاربة القمع والفساد والانتهاكات، والدفاع عن الحقوق والحريات، فتح الطريق أمام الإسلاميين وأوصلهم إلى القمة.
   
 إن تجربة كهذه لا تشمل مسح السبورة بعد ما ينتهي الأستاذ من الشرح كما فعل الشيخ سلمان في دبي، ولكنها تتطلب بطبيعة الحال إلى التواضع وترويض النفس، وأعتقد أن الشيخ أهل لهما.
 
نشر في موقع أخبار العالم
بتاريخ 16-12-2007 

الحكومة التركية ومعركة إصلاح القضاء



لا لقضاء يخدم القوى الانقلابية
التوازن بدلا من سيطرة لون واحد

تشهد تركيا هذه الأيام جولة أخرى من جولات معارك تعزيز الديمقراطية التي تخوضها حكومة حزب العدالة والتنمية مع القوى المتسلطة على رقاب الحكم في البلد، وسط الاعتقالات التي تطال ضباطا كبارا في الجيش، عنوانها هذه المرة القضاء الذي بات واضحا أنه بحاجة ماسة إلى إصلاح جذري ليعمل هو نفسه في إطار الدستور والقوانين.

بدأ البرلمان التركي يوم الأحد 2 مايو/أيار جلسات الجولة الثانية الحاسمة للتصويت على حزمة من التعديلات الدستورية التي اقترحتها حكومة حزب العدالة والتنمية، من شأنها أن تغيّر الطريقة التي يعين بها القضاة في المحاكم العليا وتجعل من الصعب حظر الأحزاب السياسية مع إمكانية مساءلة العسكريين أمام محاكم مدنية، وذلك رغم معارضة القوى القومية والعلمانية بحجة أنها تجرد السلطة القضائية من دورها بتوفير التوازنات.

إن التعديلات الدستورية التي تسعى الحكومة التركية لإجرائها عبر الاستفتاء الشعبي في يوليو/تموز المقبل، تهدف بالدرجة الأولى إلى إصلاح النظام القضائي للحد من التدخلات السافرة للقضاء في الحياة السياسية لتنظيمها وفق رؤية نخبة متسلطة، ضاربا عرض الحائط بإرادة الشعب التركي وتطلعاته.

لا لقضاء يخدم القوى الانقلابية

وقد حققت حكومة حزب العدالة والتنمية نجاحات مبهرة في السياسة الخارجية والعلاقات مع دول المنطقة في شتى المجالات، إلا أن هذا الصعود في الخارج قابله وضع متأزم في الداخل بسبب محاولات الانقلاب على الحكومة والاعتقالات التي طالت عددا من كبار ضباط الجيش المتقاعدين وحتى الموظفين، وأضيفت إلى ذلك أنباء مسرّبة تفيد أن المدعي العام "عبد الرحمن يالتشينكايا" يقوم بجمع أدلة لرفع دعوى قضائية جديدة إلى المحكمة الدستورية يطلب فيها حظر الحزب الحاكم، وهو ما دفع حزب العدالة والتنمية الذي نجا من الحظر في المرة الأولى بفارق صوت واحد فقط، إلى التفكير في أنه ربما لا ينجو في المرة الثانية وبالتالي فعليه أن يبادر بتعديلات دستورية تجعل حظر الأحزاب أكثر صعوبة وتحد من سيطرة القضاء المطلقة على الحياة السياسية.
"
أمثلة كثيرة تدل على انحياز المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين بشكل سافر للقوى الانقلابية، مما جعل إعادة بناء المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين أمرا لابد منه لمواصلة مسيرة الديمقراطية
"

لم تكن الحكومة التركية وحدها ترغب في إصلاح القضاء، بل القوى الديمقراطية كلها كانت تطالب به الحزب الحاكم منذ أن ظهر جليا أن القضاء بطبيعته الحالية يشكل عائقا كبيرا أمام مسيرة الإصلاحات الديمقراطية بسبب توغل القوى الانقلابية فيه وتوظيفه في سبيل إحكام قبضتها على السلطة في البلاد ومعاقبة المعارضين لها وحماية عناصرها من قبضة العدالة. ونذكر هنا على سبيل المثال بعض القضايا الحساسة التي تم التدخل فيها لصالح القوى الانقلابية:

- رفع ممثل الادعاء العام في محافظة "أضنة" "ساجد كاياسو" في مارس/آذار 2000 دعوى قضائية بطلب محاكمة رئيس الجمهورية السابق "كنعان إيفرين" بتهمة قيادة الانقلاب العسكري، ولكن وزير العدل آنذاك "حكمت سامي تورك" أمر فورا بفتح تحقيق في حقه وتم إبعاده عن منصبه بتهمة أنه أساء استخدام صلاحياته، ومنعه المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين من مزاولة مهنة المحاماة. وهكذا بدأت لرجل القانون أيام المعاناة القاسية التي وصفها بأنها قد تضطره لبيع الليمون في السوق لكسب رزقه ومعاشه, كل ذلك فقط بسبب طلبه تطبيق القانون الذي يعتبر الانقلاب العسكري جريمة.

- ألقيت قنبلة في نوفمبر/تشرين الأول 2005 داخل مكتبة يملكها عضو سابق في حزب العمال الكردستاني في بلدة "شمدينلي" بجنوب شرق تركيا وخلف الانفجار قتيلا وحضر المدعي العام مع قائم مقام "شمدينلي" للكشف في المكان، ولكن ضابطا أطلق النار عليهما مما أدى إلى مقتل أحد المتجمعين ومغادرة المدعي العام المكان دون أن يقوم بعمله.

وأدرج المدعي العام في محافظة "وان" "فرحات صاريكايا" قائد القوات البرية الجنرال ياشار بويوكانيت (الذي أصبح فيما بعد رئيس الأركان) في لائحة المتهمين وطلب محاكمته بتهمة تشكيل عصابة واستخدام صلاحياته خارج حدود القانون في الحرب على الانفصاليين الأكراد، على خلفية التحقيق في أحداث "شمدينلي".

لم يضيع المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين الوقت وسرعان ما تدخل في القضية لصالح الجنرال وطرد "فرحات صاريكايا" من عمله ومنعه من مزاولة مهنة المحاماة في تركيا.

- اعتقلت محكمة محافظة "أرضروم" ممثل الادعاء العام في محافظة "أرزنجان" "إلهان جيهانير" بتهمة الانتماء لشبكة "أرغينيكون" الإجرامية وقامت قوات الأمن بتفتيش مكتبه ومنزله في أرزنجان بتعليمات من المدعي العام في "أرضروم" عثمان شانال المزود بصلاحيات استثنائية خاصة وأسفر التفتيش عن وضع اليد على أقراص مدمجة وأجهزة حاسوب وعدد كبير من الوثائق. ولكن المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين فاجأ بتجريد المدعي العام في "أرضروم" عثمان شنال من جميع صلاحياته في محاولة للدفاع عن المدعي العام "إلهان جيهانير".

أمثلة كثيرة تدل على انحياز المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين بشكل سافر للقوى الانقلابية، بالإضافة إلى أنباء تشير إلى العلاقات المشبوهة بين بعض أعضائه وأعضاء شبكة "أرغينيكون" التي قامت بتخطيط عدة محاولات انقلابية، وهو ما جعل إعادة بناء المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين أمرا لا بد منه لمواصلة مسيرة الديمقراطية.

التوازن بدلا من سيطرة لون واحد


 تتهم المعارضة الحزب الحاكم بالسعي إلى تقويض استقلال القضاء وتوطيد سلطاته، معبرة عن مخاوفها من سيطرة أعضاء حزب العدالة والتنمية على دوائر المحكمة العليا، إلا أن المتأمل يرى أن اتهام المعارضة في غير محله حيث إن السلطة القضائية يغلب عليها لون واحد وهو لون حزب الشعب الجمهوري، وهي خاضعة لنفوذ وتأثير النخبة المتسلطة التي تعد نفسها حارسة للعلمانية الكمالية في البلاد.
إن ما يجري الآن أمر في غاية التعقيد حتى بالنسبة للأتراك ولذا يصعب فهمه على القارئ العربي ولا بد من شرح بعض التفاصيل لتتضح الصورة، ومنها طريقة اختيار الأعضاء للمحاكم العليا والمجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين.


"
يغلب على السلطة القضائية لون واحد وهو لون حزب الشعب الجمهوري، وهي خاضعة لنفوذ وتأثير النخبة المتسلطة التي تعد نفسها حارسة للعلمانية الكمالية في البلاد
"

- المحكمة الدستورية: تتكون المحكمة الدستورية من 11 عضوا، يعين رئيس الجمهورية ثلاثة أعضاء منهم مباشرة، أما بقية الأعضاء فيعينهم من بين المرشحين (ثلاثة مرشحين لكل عضوية) الذين يختارهم كل من محكمة التمييز (عضوين) والمحكمة الإدارية العليا (عضوين) ومحكمة التمييز العسكرية (عضو واحد) والمحكمة الإدارية العسكرية العليا (عضو واحد) ومحكمة المحاسبات (عضو واحد) ومجلس التعليم العالي (عضو واحد).
- محكمة التمييز: يتم اختيار أعضائها من قبل المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين.

- المحكمة الإدارية العليا: يتم اختيار أعضائها من قبل المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين.

- المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين: يتكون من 7 أعضاء، أحدهم وزير العدل والثاني مستشار وزارة العدل، ويتم اختيار ثلاثة أعضاء من بين أعضاء محكمة التمييز وعضوين من بين أعضاء المحكمة الإدارية العليا. يقدم كل من محكمة التمييز والمحكمة الإدارية العليا ثلاثة مرشحين لكل عضوية إلى رئيس الجمهورية ليعين أحدهم عضوا في المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين.

أما طريقة اختيار المرشحين فيكرر أعضاء المحكمة التصويت لاختيار كل مرشح على حدة (يتم التصويت ثلاث مرات) وبالتالي يختار التيار الحاكم في المحكمة المرشحين الثلاث كلهم –طبعا من لون واحد- فلا يختلف كثيرا إذا قام رئيس الجمهورية بتعيين أحد المرشحين أو الآخر، أي أن رئيس الجمهورية هو من يعين أعضاء المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين ولكن من بين المرشحين الذين ينتمون كلهم إلى التيار نفسه.

وباختصار فالتيار الحاكم في محكمة التمييز والمحكمة الإدارية العليا هو الذي يختار أعضاء المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين، ثم يقوم هذا الأخير بتعيين أعضاء محكمة التمييز والمحكمة الإدارية العليا، فهكذا يتم الدوران ويواصل هذا التيار العلماني الكمالي المتشدد سيطرته في القضاء ولا يسمح لأحد من خارج التيار بالتسلل إلى المحاكم العليا أو المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين.

إن التعديلات الدستورية الأخيرة تكسر احتكار لون واحد للقضاء وتحقق التوازن بطريقة لا تكون لأي جهة سيطرة كاملة عليه، وذلك برفع عدد أعضاء المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين من 7 إلى 22 يرأسه وزير العدل ويكون مستشار الوزارة عضوا حكميا فيه، ويعين رئيس الجمهورية أربعة أعضاء مباشرة، أما العدد الباقي فيتم انتخابه من قبل محكمة التمييز (ثلاثة أعضاء) والمحكمة الإدارية العليا (عضوين) ومجلس أكاديمية العدل (عضو واحد) والقضاة والمدعين العامين العاديين (سبعة أعضاء من بين القضاة والمدعين العامين من الدرجة الأولى) والقضاة والمدعين العامين الإداريين (ثلاثة أعضاء). وهكذا، فإنّ المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين سيصبح، وفق التعديل الجديد، شبيها بنظيره في كل من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا.
"
التعديلات الدستورية الأخيرة تكسر احتكار لون واحد للقضاء وتحقق التوازن بطريقة لا تكون لأي جهة سيطرة كاملة عليه، وبالتالي سيصبح المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين شبيها بنظيره في كل من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا
"

ومن المتوقع أن تحصل الحزمة في القراءة الثانية على أصوات تتراوح بين 330 و367 صوتا، وبالتالي إحالتها بواسطة رئيس الجمهورية إلى الاستفتاء الشعبي، الذي يعقد خلال 60 يومًا من تاريخ المصادقة عليها.
  
وأعلن حزب الشعب الجمهوري أنه سيتقدم إلى المحكمة الدستورية للطعن في التعديلات الدستورية في حال مصادقة رئيس الجمهورية عليها أو إحالتها إلى الاستفتاء الشعبي. ومن المحتمل أن تقرر المحكمة الدستورية بطلان التعديلات الدستورية مع وقف إجراء الاستفتاء الشعبي عليها، وبعده يرفع المدعي العام "عبد الرحمن يالتشينكايا" دعوى قضائية للمحكمة الدستورية لحظر حزب العدالة والتنمية بتهمة السعي لتغيير جوهر المواد الدستورية التي لا يمكن تغييرها تحت أي ظرف، وهذا هو السيناريو الأسوأ لتركيا، الذي سيؤدي إلى الفوضى العارمة في البلاد.

كما أنه من المحتمل أن يؤجل رئيس المحكمة الدستورية "هاشم كيليتش"، الذي كثيرا ما ينتقده العلمانيون المتشددون بسبب حجاب زوجته وتصريحاته الداعية للإصلاحات الديمقراطية، النظر في القضية إلى ما بعد ظهور نتائج الاستفتاء الشعبي، وهذا ضمن صلاحياته، ويقرر الشعب التركي قبول التعديلات في الاستفتاء ليتحقق هذه المرة السيناريو الأسوأ للقوى الانقلابية.


نشر في الجزيرة.نت
بتاريخ 06-05-2010 

الثلاثاء، 17 مايو 2011

الإسلاميون في الانتخابات المحلية التركية بين أربكان وأردوغان



بين أربكان وأردوغان
حزب وجماعة
مآخذ السعادة على العدالة والتنمية

تعيش تركيا هذه الأيام من أدناها إلى أقصاها أجواء الانتخابات المحلية التي ستجرى يوم 29 مارس/آذار الحالي، وسط احتدام الحملات الانتخابية للأحزاب السياسية والكم الهائل من الوعود التي يقطعها المرشحون على أنفسهم وسيل من الاتهامات المتبادلة بين الحزب الحاكم والمعارضة.

والسؤال البديهي الذي يطرح نفسه في هذا السياق وسيجد جوابا له صباح اليوم التالي من الاقتراع هو: هل سيحافظ حزب العدالة والتنمية على شعبيته أم لا؟

في 22 يوليو/تموز 2007 حصل حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية على ما يقارب نصف الأصوات (46.58%) نتيجة للتعاطف الشعبي الذي حظي به لدى الشارع التركي إبان محاولة القوى العلمانية المتطرفة منع انتخاب عبد الله غل رئيسا للجمهورية، الأمر الذي حوَّل الانتخابات إلى استفتاء شعبي على رئاسة غل ومواصلة مسيرة الإصلاحات والديمقراطية، ودفع الناخبين باتجاه التصويت لصالح حزب العدالة والتنمية.

أما اليوم فلا شك أن الوضع مختلف، فالظروف تغيرت وعبد الله غل يتربع حاليا على كرسي الرئاسة وليس هناك خطر انقلاب محدق يحوم حول الحكومة التركية يستدعي معه التأييد الشعبي لإنقاذها، وبالتالي ستختلف العوامل المؤثرة على سلوك الناخبين وآرائهم حين توجههم إلى صناديق الاقتراع.

لكن هناك من يرى، إن على صعيد المحللين والمثقفين أو على صعيد الناخبين العاديين، أن الخطر على الديمقراطية في تركيا مستمر، وهو ما يستوجب دعم الحزب الحاكم لفترة إضافية لاستكمال الإصلاحات المطلوبة بغض النظر عن اعتبارات أخرى.

وهي رؤية قد تساعد حزب العدالة والتنمية في الحفاظ على شعبيته، إضافة إلى ميل الناخبين عادة في الانتخابات المحلية إلى التصويت لصالح مرشح الحزب الحاكم حتى يكون رئيس بلديتهم مقربا من الحكومة فتحظى مدينتهم بأكبر قدر من الخدمات والمشاريع.

بين أربكان وأردوغان
 
"
على الرغم من الإخفاقات المتتالية أمام حزب العدالة والتنمية، فإن حزب السعادة بقيادة رئيسه الجديد نعمان كورتولموش يتطلع في الانتخابات المحلية إلى تحقيق قفزة عالية واسترجاع أكبر قدر من شعبيته التي خطفها منه الحزب الحاكم
"

وبينما تثار التساؤلات حول ما إذا كان الحزب الحاكم سيحصل على النسبة العالية التي حصل عليها في الانتخابات الأخيرة أم لا، تتجه الأنظار إلى حزب السعادة باعتباره الممثل الأصلي للتيار الإسلامي الذي انشق عنه رجب طيب أردوغان ورفاقه ليؤسسوا حزب العدالة والتنمية، في محاولة لتحديد مدى قدرته على كسب أصوات الناخبين الذين صوتوا للحزب الحاكم في الانتخابات السابقة، علما أن حزب السعادة برئاسة زعيمه السابق رجائي قطان كان قد حصل على 2.49% في انتخابات الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2002 وعلى 2.34% في انتخابات 22 يوليو/تموز 2007، في حين حصل حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان على 34.29% في الأولى وعلى 46.58% في الثانية. وهذا يعني أن الأتراك أيَّدوا حزب العدالة والتنمية على حساب حزب السعادة في الانتخابات التي خاضاها سويا.
وعلى الرغم من الإخفاقات المتتالية أمام حزب العدالة والتنمية، فإن حزب السعادة بقيادة رئيسه الجديد نعمان كورتولموش يتطلع في الانتخابات المحلية إلى تحقيق قفزة عالية واسترجاع أكبر قدر من شعبيته التي خطفها منه الحزب الحاكم.

وإن كان الزعيم الشاب نعمان كورتولموش تولى رئاسة الحزب أخيرا نتيجة لإلحاح الأوساط الشبابية داخل الحزب، فإن نجم الدين أربكان يبقى زعيمه الحقيقي ومرجعه الأساسي في جميع شؤونه، خاصة أن كورتولموش يفتقد رغم سمعته الطيبة إلى الشخصية الكاريزمية التي يتمتع بها كل من نجم الدين أربكان ورجب طيب أردوغان.
ولهذا فإن التنافس في الواقع يظل قائما بين رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان ورئيس الوزراء الحالي رجب طيب أردوغان، أو بعبارة أخرى بين الأستاذ وتلميذه، وهو الأمر الذي يدفعنا إلى الحديث ولو باختصار عن طبيعة الحزبين وما يجمعهما وما يفرّقهما لنفهم موقف الناخبين منهما.

حزب وجماعة

يعتبر حزب السعادة الحلقة الأخيرة من سلسلة الأحزاب التي كان أسسها تيار نجم الدين أربكان، وهو تيار إسلامي يطلق على نفسه "مللي غوروش" أي "الرأي الوطني" ويعتبر من أكبر الجماعات الإسلامية التركية. 
وبينما يقوم حزب السعادة على أرضية جماعة إسلامية تنافس الجماعات الإسلامية الأخرى، فإن حزب العدالة والتنمية قائم على عموم الشعب التركي بكل أطيافه وقادر على احتواء جماعات إسلامية مختلفة تحت مظلته. وهنا يكمن سر الخلاف الشديد الذي وقع بين جماعة أسعد جوشان النقشبندية وجماعة أربكان، حيث زعم كل واحد منهما أنه الأصل والآخر فرع يجب أن يتبع الأصل.

وإن كان الالتزام بقواعد الحزب واحترام زعيمه أمرا مطلوبا في جميع الأحزاب السياسية، فإنه يعتبر طاعة مفروضة في حزب السعادة. فنجم الدين أربكان كزعيم للجماعة يُعدّ المرجع الوحيد ويجب طاعته وعدم الخروج عليه، وهو ما يحد من الآليات الديمقراطية داخل الحزب حيث يتم اختيار أعضائه في جميع مؤتمراته بعد أن يشير إليهم أربكان الذي يبقى الممسك الحقيقي بزمام الأمور كلها ويرسم حدود المساحة التي يمكن أن يتحرك في داخلها رجائي قوطان أو نعمان كرتولموش أو غيرهما.

إن هذا التداخل بين ما هو ديني وما هو سياسي هو الذي دفع جماعة فتح الله غولن ذات النفوذ والانتشار الواسع إلى تأييد حزب أردوغان على حساب حزب أربكان.

"
إذا كان حزب السعادة يقوم على أرضية جماعة إسلامية تنافس الجماعات الإسلامية الأخرى، فإن حزب العدالة والتنمية قائم على عموم الشعب التركي بكل أطيافه, وإذا كانت طاعة أربكان مفروضة فإن حزب العدالة والتنمية مبني على المشاركة وليس على سلطة الرجل الواحد
"

وهناك عامل آخر يعزز قبضة أربكان على حزب السعادة، وهو تولي ابنه وابنته مناصب قيادية في الحزب ومشاركتهما بشكل كثيف وفعال في أنشطته، ما حّوَّله في نظر بعض المراقبين من حزب سياسي إلى مؤسسة عائلية، بل ويذهب آخرون إلى أن أربكان الابن يتم تجهيزه ليرث زعامة أبيه، وأن نعمان كورتولموش سُمِحَ له في الوقت الراهن بتولي رئاسة الحزب لتتم تصفيته بعد إخفاقه أمام أردوغان في الانتخابات المحلية.

أما حزب العدالة والتنمية فهو مبني على عقلية المشاركة وليس على سلطة الرجل الواحد، يتبادل فيه أقطابه الأدوار والمهمات حسب الظروف والمؤهلات مقدمين مصلحة الحزب على المصالح الشخصية الضيقة.

إذ نلاحظ أنه بينما كان محظورا على أردوغان ممارسة العمل السياسي، تولى عبد الله غل رئاسة الوزراء ثم حمل حقيبة وزير الخارجية في رئاسة أردوغان للحكومة لتنتهي مسيرته مع حزب العدالة والتنمية بصعوده إلى قصر رئاسة الجمهورية.

وفي المقابل، فقد تولى أردوغان رئاسة الوزراء تاركا كرسي رئاسة الجمهورية –وهو أعلى منصب- لرفيق دربه عبد الله غل، في حين تولى بولنت أرينتش، وهو الضلع الثالث لمثلث القيادة في الحزب الحاكم، رئاسة البرلمان لمدة طويلة.

إن التخلي عن مثل منصب رئاسة الجمهورية، وهو بين يديه ينتظر قدومه وإيثار غيره على نفسه، لهو أمر في غاية الصعوبة، إن لم يكن من مستحيلات الحياة السياسية، ولكنه حدث بالفعل في حزب العدالة والتنمية، فأمسك أردوغان بعد جسه نبض الناخبين واستماعه إلى رأي الشارع بيد صاحبه ليرفعه من منصب أدنى من منصبه إلى منصب أعلى منه، في تضحية كافأها الشارع التركي بأصواته.

مآخذ السعادة على العدالة والتنمية

يركّز الموالون لأربكان في انتقاداتهم الموجهة إلى حزب العدالة والتنمية على أنه مشروع أميركي يعمل لصالح مشروع الشرق الأوسط الكبير، وأنه ذو توجه غربي في سياسته الخارجية يدير ظهره إلى العالم الإسلامي ويهمل قضايا المسلمين في الداخل والخارج، في حين يسعى حزب السعادة بقيادة أربكان الروحية إلى إنشاء تركيا الكبيرة من جديد والتكامل مع العالم الإسلامي ويولي الأهمية المطلوبة لقضايا الأمة.
وقد وصلت هذه الانتقادات في شدتها إلى مستويات استاء منها المنصفون من أعضاء حزب السعادة، كقول أربكان في أحد التجمعات الانتخابية بإسطنبول مخاطبا جماهير حزبه إنهم أبناء العثمانيين وأما المشاركون في تجمع حزب العدالة والتنمية بميدان آخر في إسطنبول فهم أبناء البيزنطيين.

وإن كان هناك من يظن أن السعادة حزب إسلامي وأن أربكان هو شيخ الإسلاميين في تركيا وأما حزب العدالة والتنمية فهو حزب علماني، فهو متوهم يجهل الواقع التركي، لأن الدستور التركي لا يسمح بتأسيس حزب سياسي على أسس دينية، فكلا الحزبين علماني يعمل في إطار دستور وقوانين النظام العلماني، وإنما الفرق بينهما كما أسلفنا آنفا أن أحدهما حزب وراءه جماعة إسلامية ويستخدم في أدبياته شعارات دينية ولكنه -بلا أدنى شك- لن يطبق الشريعة الإسلامية في حال وصوله إلى الحكم ولا يعد بها أصلا، وأما الآخر فيرفض مبدئيا تسميته بـ"حزب إسلامي" ويرى أن الإسلام لا يمكن أن يمثله حزب سياسي وأن زج الإسلام في التنافس السياسي يسيء إلى الإسلام نفسه، كما يتحاشى استخدام شعارات دينية في خطاباته.

ومهما كانت انتقادات قادة حزب السعادة الموجهة إلى حزب العدالة والتنمية شديدة اللهجة، فإنها تظل غير مقنعة في نظر كثير من الإسلاميين وعموم الشعب التركي، وتدحضها مواقف أردوغان وحكومته من قضايا المنطقة والعالم الإسلامي كدعم القضية الفلسطينية والوقوف بجانب أهالي غزة في الحرب الأخيرة وعدم سماح البرلمان التركي للولايات المتحدة باستخدام الأراضي التركية لاحتلال العراق، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية مع الدول العربية والانفتاح على أفريقيا بالتوازي مع مواصلة مسيرة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

"
المعطيات تشير إلى أن الحزب الحاكم (العدالة والتنمية) سيحافظ على شعبيته في هذه الانتخابات, وقد تكون نسبة التصويت له أكثر بقليل مما حصل عليه في الانتخابات الماضية, أما حزب السعادة فلا يتوقع أن يحقق القفزة الكبيرة التي يتطلع إليها
"

وهناك مسألة مهمة تعيق حزب السعادة وتمنعه من حصد المزيد من الأصوات وهي أن حزب العدالة والتنمية أثبت قدرته على مواجهة القوى الانقلابية والانفلات من سيف الإغلاق المسلط على رأسه، بخلاف حزب السعادة الذي ينحدر من حركة سياسية أغلقت المحكمة الدستورية أحزابها الواحد تلو الآخر.

ولا بد في هذا السياق أن يشرح حزب السعادة للناخبين بشكل مقنع كيف سينجو من شبح الحظر في حال وصوله إلى الحكم وتطبيقه برنامجا أكثر "إسلامية" من برنامج حزب العدالة والتنمية، وإلا فستبقى وعوده مجرد شعارات جوفاء غير قابلة للتنفيذ، إذ إن القوى العلمانية المناوئة لحكومة أردوغان ستتكالب عليه لتشل حركته وتبعده عن السلطة، وإن كانت تشجعه حاليا بهدف إضعاف الحزب الحاكم، ولا يعقل أن تنصب تلك القوى عداءً لحزب معتدل كحزب العدالة والتنمية، ثم تسكت عن حزب السعادة وترضى عنه.

وبالعودة إلى الانتخابات المحلية، فإن المعطيات في مجملها تشير إلى أن الحزب الحاكم سيحافظ على شعبيته في هذه الانتخابات, وقد تكون نسبة التصويت له أكثر بقليل مما حصل عليه في الانتخابات الماضية أو قد تكون أقل بقليل، وأن الإسلاميين سيواصلون تأييدهم للحكومة في مواجهة القوى العلمانية المتسلطة.

أما حزب السعادة فلا يتوقع أن يحقق القفزة الكبيرة التي يتطلع إليها في ظل نجاح حزب العدالة والتنمية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

نشر في الجزيرة.نت
بتاريخ 23-03-2009 
 

هجوم "آكتوتون" وأسئلة تبحث عن إجابة



-تساؤلات مشروعة
-حلقات مفقودة
-تداعيات الهجوم

الهجوم الأخير الذي استهدف مخفر "آكتوتون" الحدودي في بلدة شمدينلي بتركيا وراح ضحيته سبعة عشر جنديا تركيا بالإضافة إلى إصابة عشرين آخرين، صدم الشعب التركي وعزز المشاعر القومية في الشارع وأثار غضبا واسعا بين المواطنين.

وتكررت المشاهد التي اعتدنا رؤيتها بعد كل هجوم يسفر عن خسائر بشرية في صفوف الجيش التركي، حيث غمرت بيوت الشهداء مشاعر مختلطة، حزن وبكاء على فراق فلذات الكبد والأحباء وفخر واعتزاز بتقديم شهداء لحماية الوطن. وقال الآباء والأمهات في مراسيم تشييع أولادهم "ليعش الوطن".

ونشرت الصحف والمواقع الإخبارية قصصا تدمع لها العيون لجندي أنجبت زوجته قبل أربعين يوما فقط ولم ير ولده الرضيع وتركه يتيما، وآخر كتب وصيته وكأنه علم بمقتله، وثالث ترى أمه في منامها استشهاده قبل مقتله بليلة.

لكن الملاحظ هنا أنها المرة الأولى التي ارتفعت فيها أصوات تعارض الاستسلام للرواية الرسمية وتطالب بمساءلة المؤسسة العسكرية وتدعو إلى محاسبة المسؤولين العسكريين على فشلهم في مكافحة حزب العمال الكردستاني وتقصيرهم في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المخفر والجنود. وأبدى الناس شكوكهم فيما إذا كان فلذات أكبادهم راحوا شهداء في سبيل حماية الوطن أو أنهم ضحايا لمؤامرة وحسابات قذرة.

تساؤلات مشروعة


وبعيدا عن المشاعر، هناك أسئلة تشغل الشارع التركي وتطرح على صفحات الصحف والمواقع الإخبارية بحثا عن إجابات لإزالة الشكوك والشبهات حول مقتل سبعة عشر جنديا في الهجوم الأخير:

* تعرض مخفر "آكتوتون"، الذي يبعد عن الحدود العراقية أربعة كيلومترات وعن الحدود الإيرانية أربعين كيلومترا، خمس مرات لهجوم كبير منذ العام 1992 وقتل فيها أربعة وأربعون جنديا. فلماذا لم تتخذ التدابير اللازمة لحمايته؟

* أعلن نائب رئيس الأركان الجنرال حسن إيغسيز في مؤتمر صحفي عقده بعد الهجوم الأخير أن خمسة مخافر حدودية بما فيها مخفر "آكتوتون" سيتم نقلها إلى أماكن أخرى. فإن كان موقع المخفر تستحيل حمايته فلماذا لم يتم تغييره إلى اليوم؟

* قالت مصادر إعلامية إن حوالي 350 مسلحا تسللوا من شمال العراق إلى الأراضي التركية ونفذوا الهجوم في وضح النهار. والسؤال المطروح: كيف عبر هذا العدد الكبير من المسلحين الحدود بأسلحة ثقيلة دون أن يراهم أحد أو تسجلهم كاميرات مراقبة الحدود؟
"
إذا كانت الولايات المتحدة التي تعلن بين الفينة والأخرى أنها تتعاون مع أنقرة في كفاحها ضد حزب العمال الكردستاني لم تقدم أي معلومات عن تحركات عناصر العمال الكردستاني قبل الهجوم الأخير، فأي تعاون هذا؟
"

* ألم تقدم الولايات المتحدة معلومات استخباراتية؟ إذا كانت الولايات المتحدة التي تعلن بين الفينة والأخرى أنها تتعاون مع أنقرة في كفاحها ضد حزب العمال الكردستاني لم تقدم أي معلومات عن تحركات عناصر حزب العمال قبل الهجوم الأخير، فأي تعاون هذا؟

* يقدر عدد عناصر قوات الأمن في المنطقة بـ240 ألف جندي و50 ألف شرطي بالإضافة إلى 60 ألف حارس قرية. وفي المقابل يقدر عدد عناصر حزب العمال الكردستاني بين 1500 و1700 مسلح في الأراضي التركية بالإضافة إلى 3500 مسلح في شمال العراق. كما أن الجيش التركي يتفوق بطبيعة الحال على المنظمة من حيث العدة والعتاد. فكيف يتلقى الجيش كل هذه الضربات الموجعة رغم تفوقه الكبير من حيث العدد والعدة والعتاد؟

* قام الجيش التركي بعمليات برية وجوية في شمال العراق لتدمير معاقل حزب العمال، حتى قال رئيس الأركان التركي السابق الجنرال ياشار بويوكانيت إن المنطقة أصبحت مكشوفة أمام الجيش التركي بحيث يراقب جميع تحركات عناصر حزب العمال الكردستاني. أفلا يثير الهجوم الأخير شكوكا وتساؤلات حول نجاح تلك العمليات والغارات ومصداقية تصريحات بويوكانيت؟

* بدأت الاشتباكات في الظهر واستمرت خمس ساعات. فلماذا تأخر الدعم الجوي؟ ولماذا لم يرجع قائد القوات الجوية الذي كان يشارك في مسابقات غولف بمدينة أنطاليا السياحية إلى عمله؟ هل الفوز في لعبة غولف أهم من حياة سبعة عشر جنديا؟

* قال نائب رئيس الأركان التركي الجنرال حسن إيغسيز إن المخافر الحدودية الخمسة لم يتم نقلها بسبب النقص في ميزانية رئاسة الأركان، ولكن سجلات وزارة المالية تشير إلى عكس ذلك حيث تثبت أن رئاسة الأركان أعادت في السنتين الأخيرتين 1.600 مليار ليرة تركية (حوالي 1.230 مليار دولار) من مخصصاتها المالية إلى الخزانة دون أن تستخدمها.

والأدهى من ذلك وأمر، شرعت قيادة القوات الجوية في إنشاء ملعب غولف كبير (500 ألف متر مربع) في القاعدة الجوية بمدينة قونيا وسط تركيا بتكلفة تكفي لإنشاء 15 مخفرا جديدا. فهل إنشاء ملاعب غولف أهم وأولى من نقل المخافر الحدودية؟

هذه وغيرها من الأسئلة المطروحة قد تجيب عليها رئاسة الأركان التركية وقد لا تجيب، وهذا هو المرجح، ولكن الرأي العام التركي بات يطالب المؤسسة العسكرية بقوة بأن تركز اهتمامها على وظيفتها الأصلية وهي الدفاع عن الوطن وعن كوادرها، بدل أن تقحم نفسها في شؤون السياسة الداخلية.

حلقات مفقودة

يقول المتابعون لحزب العمال الكردستاني إن هناك حلقات مفقودة ومناطق مظلمة في مسيرة الحزب وحياة زعيمه عبد الله أوجلان، لا بد من كشفها لفهم ما جرى وما يجري على الشريط الحدودي بين العراق وتركيا، وبدون معرفة تلك الحلقات وتسليط الضوء على المناطق المظلمة لرؤية الصورة كاملة سيظل أي تحليل للتطورات المرتبطة بحزب العمال سطحيا وقاصرا.
 
تأسس حزب العمال الكردستاني يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1978 كحزب سياسي كردي ذي توجهات يسارية ماركسية لنينية، ثم تحول في بداية الثمانينيات إلى منظمة مسلحة تدعو إلى إنشاء دولة مستقلة للأكراد.

ومع تفكك الأنظمة الشيوعية بالاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية في ثمانينيات القرن الماضي، بدأ حزب العمال يتخلى عن مرجعيته اليسارية، بل تحول في نهاية المطاف إلى منظمة مرتزقة تتحرك وفق أجندة الولايات المتحدة التي تستخدمها كورقة للتضييق على إيران من جهة، ولابتزاز تركيا من جهة أخرى.

ويرى بعض المراقبين أن ورقة حزب العمال الكردستاني يتم توظيفها أيضا في معركة الأطراف المتصارعة على الحكم داخل تركيا وتغيير الخارطة السياسية لصالح أحزاب على أخرى حسب توقيت الهجمات وتصعيدها.

تزوج زعيم حزب العمال الكردستاني في العام 1978، العام الذي أسس فيه حزبه، من كسيرة يلديريم ابنة العميل لوكالة الاستخبارات الوطنية التركية (MIT) المعروف بلقب "الطيار نجاتي" وانتقلت كسيرة مع أوجلان إلى سهل البقاع بلبنان.

"
البعض يتهم أوجلان بالعمالة وأنه أسس حزب العمال الكردستاني بمساعدة وكالة الاستخبارات التركية، وأن الصحفي الشهير أوغور مومجو تم اغتياله في يناير/كانون الثاني 1993 لأنه وصل إلى أدلة ووثائق تكشف حقيقة هذا الحزب ومصادر تمويله
"

وقال الزعيم الكردي إبراهيم غوتشلو في تصريحاته لصحيفة "آيدينليك" التركية إنه لاحظ أثناء زيارته البقاع في العام 1980 أن كسيرة كان لها دور فعال أكثر من أوجلان نفسه في اتخاذ القرارات أو تغييرها.

وقد اعترف أوجلان فيما بعد بأن زوجته الأولى "كسيرة" كانت تعمل لحساب وكالة الاستخبارات الوطنية التركية ولكنه نأى بنفسه قائلا بأن الاستخبارات التركية كانت تحاول اختراق حزب العمال الكردستاني. وبعد نشوب خلافات حادة بينها وبين عبد الله أوجلان، هربت كسيرة عام 1988 إلى أوروبا عبر قبرص خوفا على حياتها.

ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك، حيث يتهم أوجلان بالعمالة وأنه أسس حزب العمال الكردستاني بمساعدة وكالة الاستخبارات الوطنية التركية، وأن الصحفي الشهير أوغور مومجو تم اغتياله في يناير/كانون الثاني 1993 لأنه وصل إلى أدلة ووثائق تكشف حقيقة هذا الحزب ومصادر تمويله.

ويقول المحامي جيهان مومجو إن أخاه كان ينوي قبيل اغتياله إصدار كتاب لكشف هذه الحقائق، مؤكدا أن عبد الله أوجلان كان رجلا يتم توظيفه منذ بداية الأمر. وهذا ما يؤكده أيضا النائب الكردي السابق عبد الملك فرات.

وهناك مؤشرات أخرى تشير إلى علاقات عبد الله أوجلان برجال الاستخبارات، منها ما نشرته وسائل إعلام تركية نقلا عن مصادر كردية وشهود من داخل حزب العمال الكردستاني أن أوجلان كان في فترة إقامته بالعاصمة السورية يسكن في عمارة يسكن فيها الملحق العسكري للسفارة التركية العقيد (الرائد آنذاك) حسن آتيلا أوغور، وكان الجاران على علاقة حميمة.

واعتقل العقيد حسن آتيلا أوغور بتهمة الانتماء إلى شبكة "أرغينيكون" في حملات الاعتقال التي شنتها قوات الأمن التركية في إطار قضية محاولة الانقلاب على حكومة أردوغان. وهذا بالإضافة إلى لقاء أوجلان عدة مرات في البقاع اللبناني مع دوغو برينتشاك المعتقل هو الآخر بتهمة الانتماء لشبكة "أرغينيكون" والتنظير لها. ويدعى رئيس دائرة الاستخبارات السابق في الشرطة التركية بولنت أوراك أوغلو بأن عبد الله أوجلان عضو في هذه الشبكة المعروفة في تركيا بـ"الدولة العميقة".

تداعيات الهجوم

جاء هجوم "آكتوتون" في وقت تستعد فيه المحكمة الدستورية لإعلان قرارها النهائي في قضية إغلاق حزب المجتمع الديمقراطي المتعاطف مع الأكراد، وبعد الهجوم الأخير فإن أعضاء المحكمة الدستورية سيجدون صعوبة بالغة في رفض إغلاق الحزب الذي يعد لدى المؤسسة العسكرية الذراع السياسي لحزب العمال الكردستاني.
 
كما جاء الهجوم والبلاد مقبلة على الانتخابات المحلية التي ستجرى في مارس/آذار 2009، ومن المعروف أن حزب العدالة والتنمية يتنافس مع حزب المجتمع الديمقراطي في مناطق جنوب شرق تركيا ذات الأغلبية الكردية، ويسعى للفوز برئاسة بلدية مدينة ديار بكر التي تعد قلعة حزب المجتمع الديمقراطي.

ولا شك أن أي تصعيد في المنطقة وقيام الجيش التركي بعملية برية في شمال العراق سيؤدي إلى تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية بين الأكراد. وأما حزب المجتمع الديمقراطي فإن مرشحيه بإمكانهم أن يخوضوا الانتخابات المحلية كمستقلين إذا أغلقت المحكمة الدستورية حزبهم.

لفتت رئاسة الأركان التركية في بيانها إلى أن الخسائر البشرية في هجوم "آكتوتون" كان معظمها نتيجة نيران الأسلحة الثقيلة التي أطلقها مسلحو حزب العمال الكردستاني من وراء الحدود. واتهم نائب رئيس الأركان التركي الجنرال حسن إيغسيز قادة إقليم كردستان العراق بتقديم الدعم اللوجستي للعمال الكردستاني.

"
أنقرة سعت في الآونة الأخيرة لتطبيع علاقاتها مع أكراد العراق ولكن الهجوم الأخير والاجتياح المحتمل سوف يقضي على أجواء التفاؤل والتقارب ويعزز مشاعر الكره والعداء بين الطرفين، وحتى بين المواطنين الأتراك والأكراد في داخل تركيا
"

هذا التركيز في خطاب العسكر يشير بوضوح إلى رغبة الجيش التركي في التوغل بشمال العراق. ولا ننسى هنا أن التفويض الذي وافق البرلمان التركي على تمديده بأغلبية ساحقة في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول الجاري والذي يسمح للحكومة التركية بأن تصدر تعليماتها إلى القوات المسلحة للقيام بعمليات برية أو جوية في شمال العراق، قدر صدر بعد هجوم مماثل لحزب العمال الكردستاني على مخفر "داغليجا" في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي وأسفر عن مقتل 12 جنديا.

وكانت أنقرة تسعى في الآونة الأخيرة لتطبيع علاقاتها مع أكراد العراق ولكن الهجوم الأخير والاجتياح المحتمل سوف يقضي على أجواء التفاؤل والتقارب ويعزز مشاعر الكره والعداء بين الطرفين، وحتى بين المواطنين الأتراك والأكراد في داخل تركيا.

ولعل النتيجة الأهم لهجوم "آكتوتون" هي عودة العسكر إلى الساحة السياسية من باب آخر وتقدمهم أمام السياسيين في إدارة البلاد وسط أجواء الحرب والتدابير الأمنية الصارمة ودخول تركيا مرحلة قد تؤدي بها إلى العزلة وتراجع الإصلاحات الديمقراطية وتوقف مسيرة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ولذا على الحكومة التركية الصبر والتعقل وحسن إدارة الأزمة حتى لا تفوت الفرصة لمن يريد الاصطياد في الماء العكر.


نشر في الجزيرة.نت
بتاريخ 13-10-2008